ابن خلكان

162

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

الأقل ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها وهو مجلد واحد ومما اختصوا به في ملة الإسلام وأخرجوه من القوة إلى الفعل وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه لكنه لم يقل إن أحدا من أهل هذه الملة تصدى له وفعله إلا هم وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها ورأى فيها أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل كل ثلاثة أميال فرسخ فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض والتقى طرفا الحبل فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك فسأل بني موسى المذكورين عنه فقالوا نعم هذا قطعي فقال أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا فسألوا عن الأراضي المتساوية في أي البلاد هي فقيل لهم صحراء سنجار في غاية الاستواء وكذلك وطأة الكوفة فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة وخرجوا إلى سنجار وجاءوا إلى الصحراء المذكورة فوقفوا في موضع منها وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات وضربوا في ذلك الموضع وتدا وربطوا فيه حبلا طويلا ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف إلى اليمين واليسار حسب الإمكان فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتدا آخر وربطوا فيه حبلا طويلا ومشوا إلى جهة الشمال أيضا كفعلهم الأول ولم يزل ذلك دأبهم حتى انتهوا إلى موضع أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبل فبلغ ستة وستين ميلا وثلثي ميل فعلموا أن كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلا وثلثان